في الدكرى الحادية عشر لوفاة العربي باطما
شدرات من كتابه " الرحيل "
الكتاب عنوانه، الرحيل وهو مكتوب بلون أحمر كالدم. وتحته كلمتا "سيرة ذاتية
" وصورة صاحب السيرة تملا الغلاف
واستهلال الكتاب عنوانه: سنين الجراد. يقول فيه:
سأحاول الأن كتابة ما مر بي من حياتي. وأنا في سباق مع الوقت. بل إن رغبتي الوحيدة هي أن يتركني الموت هنيهة لاكتب هذه اللحظات وأعبر عن تلك الذكريات
.
وكل فصل من الكتاب يبدأ بعبارة طي الضلوع. والفصل الأول عنوانه: طي الضلوع الجميل. ويبدأ هكذا:
- عمي صباحا ايتها الورقة البيضاء.
- عم صباحا أيها القلم.
- ان النهار جميل. وكان الليل بين متاهات الضني.
وبعدها مباشرة يكتب:
- ولدت سنة 1948.
- مالي والحياة. أسوأ من سوء شخص.
أرى لحدي.. ومهدي في عيشي.
وهكذا يتداخل الميلاد والموت معا في لحظة واحدة. وهي ثنائية الوجود نفسه. منذ أن كانت هناك حياة.
يخيل الي أن العربي باطما كتب هذا الكتاب مرة واحدة. ولم يعد كتابه أي جزء فيه. فالعفوية هي أهم ما في هذا الكتاب. وأبرز سماته ما يرد على الخاطر يدونه دونما تفكير. وهذا يجسد حالة كتابه. خاصة وأن الكاتب فنان لا يعد محترف كتابة.
- سرت في طريق الغواني أغني لم أجد الا البيع والشراء. فبعت الهوى في محافل الرذيلة وما كان الهوى الا تجارة. فأكثر الفاتنات تافهات جمال غافل. وما أقل العقل المنبه. فالحب ذل في شرعهن. ولا دليل عما قلته. كلام قالته لي قوادة في يوم كنت بمدينة أغادير.
وعن أهله يكتب:
- اسم أبي رحال. اسم جدي رحال. اسم أمي حادة. الرحيل، الحدود،الحدة، أسماء تعني العنف والألم وعدم الاستقرار، هكذا كانت طفولتي رحيلا بين الدار البيضاء والقرية. حتى في كل شيء في تربيتي الجنسية.
- المهم، ولا شيء مهم إلا أنا.
- أعطي عمري كله شريطة أن أعود الى ذلك الزمن الفتي.
- لم نتعلم شيئا من ذلك الزمن. لكنه كان زمنا جميلا.
- يعود الى ظروف كتابه هذا، ويقول:
- أكتب هذا، وأنا في سباق مع الموت. لقد أخبرني الأطباء بأن المرض قد امتلك الجانب الأيمن من رئتي. بعد أن تجاوز الجانب الأيسر.
البيت المجاور - وهو ملك لقوادة - تتردد أغنية المرحوم محمد عبدالوهاب "يا مسافر وحدك " عجيب. أن الظروف في حياتي لها لقاء خاص. فمن جعل إذني تلتقط هاته الأغنية. وأنا أكتب عن مرضي. وعن السفر المنتظر من كل البشر. يا سبحان الله.
ويقول العربي أن له ثمانية أشقاء آخرين. ستة ولدوا في البادية واثنان ولدا في المدينة.
وينهي الكاتب طي ضلوعه الجميل. بهذا الكلام العذب:
- كان أحب الأوقات لدي هو منتصف النهار. عندما يهرب الكل الى الظل، حيوان وبشر. فأختفي في مكان وأراقب السراب المتصاعد على صفحة الأرض. أدخل وسطه بعقلي واسمع ضجيج المدينة الذي رافقني طيلة حياتي بالبادية.
كنت ممزقا بين البادية والمدينة. جاهلا عذاب المدينة وصفاء القرية.
والفصل الثاني عنوانه: طي الضلوع القبيح. وهو فصل المرض الخبيث ويكتب فيه:
- أنا الآن وحدي في البيت.
بعض الناس من الجمهور يتمنون لي من خلال الهاتف سنة سعيدة.
بقولون: ألو.
أرد: ألو شكون ؟.
يجيب: أنا معجب بناس الغيوان وأتمنى لكم سنة سعيدة.
أتصور أنا سنتي القادمة. أي سنة 1995.
صممت أن أبكي. عند اعلان الساعة الثانية عشرة ليلا. فربما إن استقبلتها بالبكاء قد يكون فيها شيء من السعادة. هذا ان عشت. فمريض مثلي مصاب بمرض خبيث. لا يمكن له أن يتصور ويتحدى الموت في كل دقيقة. فعندما كنت أنام فيما مضى. أي في السنة الماضية. كنت أقوم في الصباح. وأقول، بل أسأل نفسي: هل أنا لا أزال حيا؟!
الآن أبكي، وقد أعلنت الساعة دخول السنة الجديدة، سنة1995.
كم من شخص الآن من العالم قبل صديقه أو حبيبته أو أخاه مهنئا اياه ؟
أنا قبلتني دموعي.
كم من عشيق عانق عشيقته.
أنا عانقت دموعي.
أنا.
أنا الآن شي ء ينتظر الموت ويعلم بأن الكل ينتظر قدومه. لكن الفرق بيني وبين الكل. هو أنني أعرف موضي القاتل. والآخرون لا يعرفون.
فالحمد لله والشكر لله على كل شيء.
}وتمنوا الموت إن كنتم صاد قين {.
} صدق الله العظيم {.
ويحكي يوم إخباره بمرضه هكذا:
- كنت بصدد تصوير مسلسل تليفزيوني من تأليفي. وكانت اللقطة التي نصورها في أحد المستشفيات. فانتقيت طبيبا وأخبرته بآلام أشعر بها. ولم أندم في حياتي على شيء قمت به. كندمي على تلك اللحظة التي أخبرت فيها الطبيب. أما كان الأحري أن أسكت واترك الجرثومة تنهشني في جسمي. ثم أموت بدون عذاب وبدون اشاعة وهموم وتحليلات. أما كان الأجدر بي هو السكوت.
قال لي الطبيب يومها: سنجري لك عملية بسيطة. ثم كان الخبر المفجع. قال الطبيب:
- انه حلم مفزع. وستستيقظ منه ان شاء الله.
- لا يا دكتور. انه حلم مفزع أعيش فيه. ومازلت أراه في كل وخرجت من مكتب الدكتور. وقد اغرورقت عيناي بالدموع.
وقد احببته فيما مضى، وأنا طفل بالبادية. وكرهته ساعتها. ووقع الخبر فوق رؤوس الأهل كالصاعقة مخوفة الفن لا تترك للفنان حرية الستر.
ويختم هذا الفصل الباكي بقوله:
- انها ذكريات طي ضلوع قبيح. حاولت جمعها وأنا أعلم بأني نسيت الكثير منها. عذاب الغربة والهوة بالرغم من أني أحب هذه الأخيرة.
ان الحياة كلها ذكريات طي ضلوع قبيحة. لكن علينا قبولها ومحاولة التعايش معها. مستعينين بالنسيان الذي هو أكبر هبة وهبها الله لخلقه. عطفا منه عليهم سبحانه وتعالى. فلولا النسيان لجن الكل.
لا أمل
وفي الفصل الثالث الذي عنوانه: طي الضلوع الفني يبدأه بكلمات حادة مديدة:
- أنا لم يبق لي الحق من الأمل.
أنام الليل ولا انتظر قيامي في الصباح. ولما استيقظ وأجد نفسي فوق الفراش. اتطلع الى سقف بيتي لاتيقن من حقيقة وجودي. ثم أقول لنفسي. لقد ربحت ليلة البارحة. فكيف سيكون النهار؟
جسمي الذي كان مضرب الأمثال للوسامة. صار الآن ان لم تحقق فيه لا تراه.
نعم، أنا الذي لم يبق لي حق في الأمل.
ناس الغيوان
يعتبر الموت نهاية كل النهايات. وبعد الكلام الحزين عن الموت لا يحب أن يقول كلمة وداعا. ولكنه يستأنف الحكي من جديد عن الموضوعين اللذين يشكلان تجربة عمره كلها. الفن وناس الغيوان.
هل هي رغبته في تحدي الموت ؟! جائز. هل هو البحث المضني للانسان عن الخلود؟! ربما. وفي كل الأحوال فالرجل يحب أن يؤكد لنا معنى الاستمرارية التامة وان الموت لم يكن بالنسبة له. نهاية النهايات. ربما كان بداية مرحلة أخرى مرحلة من نوع جديد. هي رحلة الخلود.
على أن الجديد في هذين الفصلين. هو موقف الفنان من الفن. حبه لهذا الفن قضية لا تحتاج الى تأكيد. ولكن العذاب الذي سببه له الفن لدرجة أنه يتمنى أن يعمل في أي عمل آخر غير الفن. هو الجديد.
يكتب:

لقد عذبني الفن طيلة حياتي. وكم من مرة تمنيت لو كنت عطارا أو خضارا أو جزارا. فعلى الأقل ستكون حدة المشاكل أهون من مشاكل الفن.
ويقول في الفصل التالي:
لو كنت أعلم الغيب. لبقيت حارسا للدراجات. أو اشتغلت في السكة الحديد. مكان أبي. انني أقول الآن لنفسي: أما كان الأجدر بي. أن أبقى في باديتي الحبيبة لأموت هناك بعيدا عن الأضواء والشهرة ومحاصرة أعين الناس من كل جانب.
ويتوقف العربي باطما أمام هذه الواقعة:
قالت لي عاهرة في يوم. عندما تموت سأزور قبرك ثم أبكي. وأهرق زجاجة بيرة فوقه.
كم كرهتها ساعتها.
لا أظن بأن في الحياة شيئا يستحق العيش.

وعندما يتجول العربي باطما وهو على سرير المرض بين ذكرياته يتوقف أمام زمن الصبا.
آه. ان حياة الصبا هي أجمل ما وجد فوق الأرض فالصبي يحب وينسى في كل دقيقة. يبكي ويضحك ويعدو يتعارك ويتسامح. لا يحتمل الحقد لأي كان. إنها حياة تعد خليطا من عدة أشياء. تجعل الأحلام سعيدة فنفني للامل.
ومهما حاول العربي باطما الهروب من المرض لابد من العودة اليه. انه القدر الذي ليس هناك هروب منه أبدا. يكتب:
الجسم آلة. عندما يدخله المرض يحس العقل بأن شيئا هناك قد تغير. فتشب حرب بين العقل والاشياء الأخرى. الدنيوية والروحانية والجسمانية خصوصا من كان أيضا مثلي. انه شي ء غريب. أن يعيش الانسان وهو يعرف أن حياته مهددة في كل وقت. ودرب الأمل يبتعد عنه. ويرى اقتراب الظلام. يشاهده قادما ولا يجد قوة للهروب منه الى النور.
اللهم اني لا أملك سوى التشبث بك والايمان بك.
ان مريضا مثلي. لا يمكن له قول غدا. ذلك لأنه محكوم عليه بالاعدام. ينتظر الذين سيأخذونه الى المقصلة.
وعندما يروق له الجو ويذهب الى ذكرياته الجميلة والعذبة يكتب كالطفل:
آه. ما أحلى هاته الذكريات التي أخطها الآن. فحتى وان أخذت تعبير المتنبي وفحولة شعر امريء القيس ووصف طرفة بن العبد لن أصل الى وصفها:
يتحدث عن الليلة التي قدمت فيها فرقة «ناس الفيوان ».

























